فخر الدين الرازي
40
تفسير الرازي
دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة ، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : * ( أو لم تروا ) * بالتاء على الخطاب ، وكذلك في سورة العنكبوت : * ( أو لم تروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ) * ( العنكبوت : 19 ) بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات ، وأيضاً أن ما قبله غيبة وهو قوله : * ( أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب * أو يأخذهم ) * ( النحل : 45 ، 46 ) فكذا قوله : * ( أو لم يروا ) * وقرأ أبو عمرو وحده : * ( تتفيؤ ) * بالتاء والباقون بالياء ، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع . المسألة الثالثة : قوله : * ( أو لم يروا إلى ما خلق الله ) * لما كانت الرؤية ههنا بمعنى النظر وصلت بإلى ، لأن المراد به الاعتبار ولاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله ، وقوله : * ( إلى ما خلق الله من شيء ) * قال أهل المعاني : أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم ، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد ، لأن قوله : * ( من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل ) * يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض . وقوله : * ( يتفيؤا ظلاله ) * إخبار عن قوله : * ( شيء ) * وليس بوصف له ، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال : فاء الظل يفيء فيئاً إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس ، وأصل الفيء الرجوع ، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى : * ( فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم ) * ( البقرة : 226 ) وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم ، ومنه قوله تعالى : * ( ما أفاء الله على رسوله منهم ) * ( الحشر : 6 ) وأصل هذا كله من الرجوع . إذا عرفت هذا فنقول : إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة أو بتضعيف العين . أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله : * ( ما أفاء الله ) * وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ . قال الأزهري : تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار ، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال الشاعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق قال ثعلب : أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء